بيروت_28/8/2026
كتب أحمد العز في اللواء
التقلبات التي يشهدها العالم والمنطقة ليست وليدة أحداث عابرة، بل نتيجة طبيعية لاختلال موازين القوى بين الكبار، أما الأحداث الصغيرة وغير المتوقعة، فليست سوى مقدمات لانهيارات وتغييرات بالغة الحدة والخطورة، هكذا كانت التحولات الكبرى بعد الحربين العالميتين والحرب الباردة، حين أصبح هول النتائج أكبر من الأسباب التي أشعلتها.
تحولات المنطقة ونزاعاتها انعكست بصورة مباشرة على لبنان، الذي شكل طوال عقود، مختبر التحولات الثقافية والتربوية والإعلامية والعقائدية والقومية والدينية، وتلك الاختبارات الموجعة والمكلفة كانت تنتهي من دون مراجعات أو اعترافات، فيما تتنقل المكونات اللبنانية نفسها على كل الاختبارات بين مرة دور الضحية و ومرةاخرى دور الجلاد.
المكونات اللبنانية اتقنت الاختباء خلف شعار (حروب الآخرين على أرض لبنان)، والانتقال من صراع إلى صراع آخر من دون مراجعة ما فعلته، واليوم تبدو غارقة بالاوهام وتحارب طواحين الهواء، وتواجه تحديات التحديث والذكاء الاصطناعي بــــ(شطارة أيام زمان)، متوهمة أن أدوات الماضي قد تصلح في صناعة المستقبل.
المتغيرات الخطيرة التي تشهدها المنطقة هي حصيلة سياسات الدول الكبرى، القديمة والجديدة، التي تجرعت المنطقة مرارة نتائج تجاربها وصراعاتها، وكلفت الشعوب الضعيفة حروب وتهجير وفقر وضياع، والمفارقة أن بعض تلك الدول اليوم تحاول تجميل صورتها، بالدفاع عن المظلومين والتائهين في العراء، بعدما ساهمت سياساتها، على مدى عقود، في تشردهم وزعزعة استقرارهم.
الخطر الأكبر هو عندما تفقد الشعوب كل شيء، وتتحول إلى جماعات يائسة لا تجد ما تخسره، وهنا تنقلب معادلة القوة، من يخشى خسارة شيء يمكن ردعه، أما من يعتقد أنه خسر كل شيء، فيصبح ردعه أكثر صعوبة، قبل عشرات السنوات، سئل أحد كبار قادة القتال، عن سبب حرمان جماعته من الراحة رغم توافر الإمكانات، فأجاب (ومن أين نأتي باليأس؟)، كان يعرف أن الراحة قد تصنع الخوف من الخسارة، أما اليأس… قوة لا تُقهر.



