
ليس تفصيلاً عابراً أن يلتقي عدد من النواب السنّة في هذا التوقيت تحديداً، ولا يمكن اختصار ما جرى على أنه مجرد “غداء سياسي أو لقاء بروتوكولي. ما حصل في جوهره محاولة جدية لكسر حالة الفراغ التي أصابت المكوّن السنّي منذ سنوات، وإعادة إدخاله إلى قلب المعادلة السياسية لاعباً لا متفرجاً.
منذ انكفاء الأطر التقليدية بدا هذا المكوّن وكأنه موزّع بين مبادرات فردية وانتظار تسويات خارجية، فجاءت مبادرة فؤاد مخزومي لتقول عكس ذلك تماماً: إن القدرة على إنتاج دينامية داخلية ما زالت ممكنة، وإن إعادة جمع هذا التشتت ليست حلماً مستحيلاً.
الأهم أن اللقاء لم يكتف بكسر الجمود، بل أعاد إحياء فكرة التشاور المنظّم كبديل عن الفوضى السياسية التي سادت في المرحلة الماضية.
قوة المبادرة لا تُقاس بعدد من حضر فقط بل بقدرتها على خلق مسار، فالتأييد الذي أبداه نواب من خارج الاجتماع رغم غيابهم الجسدي، يعكس أن ما بدأ يتجاوز حدود القاعة. هنا تكمن المفارقة: الاجتماع نجح في توحيد مزاج سياسي قبل أن يوحّد المقاعد، وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن الحاجة إلى إطار جامع كانت قائمة وتنتظر من يلتقطها.
لكن الأهم أن هذا اللقاء لم يبقَ أسير لحظته، بل إن ما طُرح خلاله يوحي بإمكانية تحوّله إلى منصة تنسيقية دائمة تنقل الأداء من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المنظّم، وهذا التحول إن ترسّخ، يعني أن المكوّن السنّي يستعيد تدريجياً قدرته على إنتاج موقف موحّد في القضايا الكبرى، بدل الاكتفاء بمواقف متفرقة ومتباينة.
في المضمون، لم يُقدَّم الاجتماع كإطار طائفي ضيّق بل كرافعة لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية. التأكيد على مرجعية الدولة وعلى اتفاق الطائف ورفض السلاح خارج الشرعية، كلها عناوين تعيد التموضع ضمن مشروع وطني جامع لا ضمن اصطفافات ظرفية، وهذه نقطة مفصلية لأنها تنقل النقاش من هوية الطائفة إلى دورها في حماية الدولة.
في هذا السياق، يبرز مخزومي كمحرّك أكثر منه مجرد مشارك، إذ إن تكرار المبادرات يضعه في موقع من يبادر لا من ينتظر، ويعكس انتقاله من لاعب فردي إلى منسّق لإطار أوسع، قدرته على الربط بين الداخل والخارج بين العمل النيابي، والتواصل العربي والدولي، تعطي هذه المبادرة بعداً إضافياً يتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.
الأثر الأعمق لهذه الخطوة قد لا يظهر فوراً، لكنه يرتبط بقدرتها على تخفيف الاحتقان الداخلي وتوحيد الموقف السنّي ولو نسبياً، ويساهم ذلك في الحدّ من احتمالات التوتر ويمنع استفراد أي جهة بالقرار الوطني في بلد يقوم على التوازنات، فمجرد إعادة تنظيم أحد مكوّناته ينعكس مباشرة على الاستقرار العام.
وفي لحظة إقليمية دقيقة، يصبح دعم الدولة وخياراتها الاستراتيجية أكثر من ضرورة. فتبنّي مسار المؤسسات ودعم أي مسار تفاوضي من ضمن الشرعية، يضع هذا المكوّن في موقع “صمام الأمان” لا في موقع المزايدة أو الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة.
خلاصة المشهد أن ما قام به مخزومي لا يمكن اختزاله بلقاء عابر، بل هو محاولة جدية لإعادة ترتيب التوازن الداخلي وبناء مرجعية تشاورية سنّية حديثة قادرة على مواكبة التحوّلات، والتأثير فيها خطوة قد لا تُغيّر كل شيء دفعة واحدة، لكنها بالتأكيد كسرت الجمود وفتحت باباً كان موصداً منذ وقت طويل.


