دوليات

سوريا تكتشف الدولة التي أخفاها الأسد

بيروت_11/9/2026 سالي علي المدن

في السادس من أيلول 2007 قصفت إسرائيل موقعاً في دير الزور، كان النظام السوري السابق قد حرصَ على ألّا يعرف العالم أنه موجود أصلاً. بعد سنوات، ستقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنّ الموقع كان مفاعلاً نووياً سرياً، وإن تصميمه كان قريباً من منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي لكوريا الشمالية. ثم سيأتي ما هو أكثر إحراجاً: لم يكن السوريون يعرفون ماذا كانت دولتهم تبني هناك، ولا لماذا؟ وحين بدأت الوكالة تحقيقها، لم يكن أمامها نظام مستعد لفتح أبوابه بل دولة تعرف جيداً كيف تخفي آثارها، وتهدم ما بقي منها، وتترك وراءها سؤالاً أكبر من الركام. في 2011، أُحيلت سوريا إلى مجلسِ الأمن بسبب عدم امتثالها لالتزاماتها النووية. وظلّ الملف مفتوحاً قرابة عقدين.. المفارقة أنّ القصة لم تنتهِ بسقوط بشار الأسد، بل بدأت على نحو ما في الظهور بعده!

في آب الماضي، أبلغت الحكومة السورية الجديدة الوكالة الدولية عن مواد نووية كانت موجودة في سوريا، وسمحت لمفتشيها بالوصول إلى مواقع لم يكن ممكناً الوصول إليها في عهد الأسد. وفي مؤتمر صحافي بالعاصمة دمشق، قال وزير الخارجية أسعد الشيباني، إنّ المواد ستبقى في سوريا تحتَ إشراف الوكالة، وإنّ لسوريا الحق في استخدامها لأغراضٍ سلمية. لم يكن التصريح إعلاناً عن طموح نووي سوري، كما قد توحي بعض القراءات المتسرعة، بل كان يحمل دلالة سياسية أكثر أهمية: للمرة الأولى، تتحدث الدولة السورية علناً عما ورثته من برنامج بقيّ لعقود خارج معرفة مواطنيها، وتقبل بأن يخضع ما لديها لنظر جهة خارجية.

ثم جاءت الأيام الأخيرة لتفتح الخزانة أكثر، حيث في السابع من أيلول، أكّدت الوكالة أنّ المنشأة التي دمرتها إسرائيل عام 2007 كانت مفاعلاً صُمم بطريقة كان يمكن أن تتيح إنتاج مادة انشطارية قابلة للاستخدام في سلاح نووي لو اكتمل تشغيله، وأنّ التحقيقات عثرت على نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، وُضعت تحت ضمانات الوكالة. وبعد يومين، في التاسع من أيلول، أغلق مجلس محافظي الوكالة بالإجماع ملف عدم الامتثال النووي السوري القديم، مستنداً إلى تعاون السلطات الجديدة وشفافيتها وإتاحتها الوصول إلى المواقع والمعلومات.

وفي الخلفية، كان شيء آخر يحدث في سوريا. في الثالث من أيلول، بدأت السلطات بتدمير بقايا برنامج الأسلحة الكيميائية الذي ورثته عن النظام، فيما تحققت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من التدمير غير القابل للعكس لـِ 42 قنبلة جوية ومواد ومنشآت مرتبطة بالبرنامج. أي أنّ سوريا الجديدة لم تكن تفتح ملفاً واحداً من ملفات الدولة القديمة، بل كانت تبدأ، للمرة الأولى، في التعامل مع إرث الدولة التي لم يكن السوريون يعرفون عنها إلّا ما سمحت لهم أن يعرفوه.

هنا يصبح من السهل أن نخطئ في قراءة المشهد باعتباره قصة عن الأسلحة الكيميائية والنووية، أو عن إعادة تأهيل سوريا في النظام الدولي، أو عن رغبة السلطة الجديدة في كسب ثقة الغرب. كل ذلك موجود ولكنه ليس القصة الأهم. القصة الأهم أن سوريا بدأت بعد سقوط الأسد تكتشف دولتها!

فالدولة التي تركها الأسد وراءه لم تكن فقط دولة أمنية تقمع مواطنيها، بل دولة غامضة بالنسبة إليهم أيضاً. كان السوري يعرف أن للدولة أجهزة أمن، لكنه لا يعرف أين تنتهي حدودها. يعرف أن هناك جيشاً، لكنه لا يعرف ماذا يفعل باسم الجيش خارج ما تقوله البيانات الرسمية. يعرف أنّ هناك قصوراً رئاسية وسجوناً ومؤسسات وشركات ومخازن وأجهزة، لكنه لم يكن يملك حقّ السؤال عن معظمها. حتى في أكثر اللحظات التي كانت الدولة تتحدث فيها باسم “الأمن الوطني”، كان المواطن مستبعداً من تعريف ما هو الأمن الوطني أصلاً.

لهذا، فإنّ أهم ما تكشفه قصة المفاعل النووي ليس أن الأسد كان يخفي برنامجاً نووياً، فهذا بات معروفاً، بل أن الإخفاء نفسه كان جزءاً من بنية الدولة. لم يكن السر استثناءً في طريقة عمل النظام، بل إحدى طرق عمله الأساسية. وما ينطبق على مفاعل لم يكن السوري العادي يعرف بوجوده، يمكن أن يذهب أبعد بكثير: إلى الأرشيف الأمني، والسجون، وأموال الدولة، والعقود، والمقابر، وأجهزة المراقبة، وكل ما تراكم طوال عقود في المسافة بين ما تعرفه السلطة وما يُسمح للمجتمع بمعرفته. وهنا بالضبط يبدأ الاختبار الحقيقي للدولة الجديدة.

ليس السؤال فقط: هل ستكشف جرائم الأسد؟ ولا: هل ستسلّم ما لديها من أسلحة إلى الجهات الدولية؟ بل: هل ستتخلى عن الفكرة القديمة التي تقول إن الدولة تعرف كل شيء عن مواطنيها، بينما ليس من حق المواطنين أن يعرفوا شيئاً عن دولتهم؟ وهذه هي النقطة التي تجعل الشفافية أكثر من إجراء دبلوماسي. إنها في سوريا قطيعة محتملة مع طريقة كاملة في الحكم.

قد يكون من السهل على أي سلطة جديدة أن تكون شفافة مع الخارج عندما تكون الشفافية وسيلة للخروج من العزلة الدولية.. لكن الأصعب هو أن تكون شفافة مع الداخل عندما تبدأ الأسئلة بالاقتراب من الدولة نفسها: ماذا ورثنا؟ أين ذهبت الأموال؟ من يملك السلاح؟ ماذا بقي من أجهزة النظام؟ من اتخذ القرارات؟ ماذا تعرف الحكومة عن المؤسسات التي ورثتها؟ وما الذي لا تعرفه هي نفسها؟

وهنا تحديداً قد تظهر المفارقة المقبلة.. قد يكون المجتمع الدولي قادراً على معرفة سوريا الجديدة قبل أن يتمكن السوريون من معرفتها في حال استمرت دمشق في فتح المواقع أمام المفتشين الدوليين، وكشف الملفات القديمة، والسماح بالتحقيق في ما تركه النظام، ستكون سوريا قد بدأت شيئاً أكبر من تسوية ملفات نووية وكيميائية وهو أنها ستضع أساساً لفكرة جديدة عن الدولة: دولة لا تعتبر أسرارها ملكاً لها وحدها.

أما إذا توقفت الشفافية عند حدود ما يطلبه الخارج، ثم عادت الدولة إلى إخفاء نفسها عن مواطنيها، فسيكون التغيير قد بقي في مكانه الأكثر سطحية. يمكن حينها أن تتغير الوجوه والرايات والتحالفات، فيما يبقى الشيء الأكثر رسوخاً كما هو: الدولة تعرف، والمواطن يخمّن؛ لهذا ربما لا يكون السؤال السّوري المقبل: ماذا بقي من الأسد؟ إنّما ماذا ستفعل الدولة الجديدة بكل ما تعرفه عن الدولة القديمة، وماذا ستسمح للسوريين بأن يعرفوه عنها؟

ففي السادس من أيلول 2007، كان العالم يحاول أن يعرف ماذا يوجد تحت مبنى في دير الزور. وفي التاسع من أيلول 2026، أغلقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذلك الملف، لأن سوريا الجديدة سمحت لها أخيراً بأن تعرف. وبين التاريخين ثمانية عشر عاماً تقريباً. لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ في 2007، ولا انتهى اليوم؟ لقد بدأ الآن، عندما أصبحعلى سوريا أن تجيب عن سؤال لم يكن مسموحاً بطرحه طوال عقود: هل يمكن أن تكون الدولة شفافة أمام شعبها، لا أمام العالم فقط؟

زر الذهاب إلى الأعلى